السيد نعمة الله الجزائري
77
عقود المرجان في تفسير القرآن
ووقعت القسمة ، نقلوا ذلك الشحّ وتلك الضنّة والرفرفة عليكم إلى الخير - وهو المال والغنيمة - ونسوا تلك الحالة الأولى واجترؤوا عليكم وضربوكم بألسنتهم وقالوا : وفّروا قسمتنا . فإنّا قد شاهدناكم وقاتلنا معكم . وبمكاننا غلبتم عدوّكم . وبنا نصرتم عليه . ونصب أشحّة على الحال أو الذمّ . « 1 » « أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا » إخلاصا . « فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ » ؛ أي : أظهر بطلانه ، إذ لم يثبت أعمالهم فتبطل . أو : أبطل تصنّعهم ونفاقهم . « وَكانَ ذلِكَ » ؛ أي : الإحباط . « يَسِيراً » : هيّنا ، لتعلّق الإرادة به وعدم ما يمنعه عنه . « 2 » « أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ » ؛ أي : بخلاء بالقتال معكم . أو : بخلاء بالنفقة في سبيل اللّه . ومعناه : لا ينصرونكم . ثمّ أخبر عن جبنهم فقال : « فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ » . « كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ » . وهو الذي قرب من الموت فيذهل ويذهب عقله . فإذا ذهب الفزع وجاء الأمن والغنيمة ، آذوكم بالكلام وخاصموكم بألسنة ذربة يقولون : أعطونا من الغنيمة ؛ فلستم أحقّ منّا . فأمّا عند البأس فأجبن قوم . وأمّا عند الغنيمة فأشحّ [ قوم ] . وهو قوله : « أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ » ؛ أي : بخلاء بالغنيمة يشاحّون المؤمنين عند القسمة . وقيل : بخلاء بأن يتكلّموا بكلام فيه خير . « أُولئِكَ » . يعني المنافقين . « فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ » . لأنّهم لم يقصدوا بها وجه اللّه . وفيه دلالة على مذهبنا في الإحباط . لأنّ المنافقين ليس لهم ثواب فيحبط . فليس [ إلّا ] أنّ جهادهم الذي لم يقارنه إيمان لم يستحقّوا عليه ثوابا . « وَكانَ ذلِكَ » الإحباط [ « عَلَى اللَّهِ يَسِيراً » ] . « 3 » [ 20 ] [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 20 ] يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً ( 20 ) أي : يحسبون أنّ الأحزاب لم ينهزموا ، فانصرف المنافقون عن الخندق إلى المدينة راجعين لما نزل بهم من الخوف الشديد ودخلهم من الجبن المفرط . « وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ »
--> ( 1 ) - الكشّاف 3 / 530 . ( 2 ) - تفسير البيضاويّ 2 / 242 . ( 3 ) - مجمع البيان 8 / 546 - 547 .